محمد عبد العزيز الخولي

130

الأدب النبوي

الجزل « 1 » . وما تحكم بيننا بالعدل . فغضب عمر حتى همّ بأن يقع به - يبالغ في ضربه - فقال الحر : يا أمير المؤمنين إن اللّه قال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ « 2 » ، وإن هذا من الجاهلين . وإن هذا من الجاهلين . فو اللّه ما جاوزها عمر حين تلاها عليه وكان وقّافا عند كتاب اللّه - روى ذلك البخاري في كتاب الاعتصام « 3 » . وسواء كان المستأذن على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مخرمة أو عيينة فالقصة مشكلة من جهة المعنى إذ كيف يذم الرسول صلى اللّه عليه وسلم شخصا رآه مقبلا ، ويقول فيه : بئس أخو العشيرة ؛ وبئس ابن العشيرة ثم يهش في وجهه ؛ وينبسط له حينما جلس معه ؛ وهل هذا إلا التظاهر بغير ما يضمر ؟ فكيف يصدر هذا من الرسول الكريم ؛ الذي شهد له رب العالمين بأنه على خلق عظيم ؟ لقد أجيب عن هذا الذم بأنه من باب النصيحة للأمة والتحذير لها من أن تغتر بذوي المظاهر الجميلة ؛ أرباب الطوايا الخبيثة فتقع في شراكهم « 4 » ، ويصيبها شر من جهتهم . بل استدل بهذا الذم على جواز غيبة من أعلن الفسق أو الفحش . أو جار في الحكم . أو دعا إلى بدعة جهارا أو نحو ذلك . وهذا الاستدلال لا يتم إلا إذا كان من عابه الرسول صلى اللّه عليه وسلم بهذه المثابة . وأجيب عن التطلق في وجهه والتبسط إليه بعد ذلك الذم بأنه من باب المداراة ؛ اتقاء لشره . وليس من قبيل المداهنة في الدين التي هي من مساوىء الأخلاق . قال القرطبي : والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدّين أو هما معا . وهي مباحة . وربما استحبت . والمداهنة ترك الدّين لصلاح الدنيا . والنبي صلى اللّه عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حسن عشرته ؛ والرفق في مكالمته . ومع ذلك فلم يمدحه بقوله . ولم يناقض قوله فيه فعله . فإن قوله فيه قول حق ؛ وفعله معه حسن عشرة . فيزول بهذا الإشكال . ذلك ما أجابوا به ولا زال في النفس من هذا الذم والتطلق شيء . ولا زلنا نرى مقام الرسول صلى اللّه عليه وسلم وكرم خلقه فوق ذلك الموقف . وأن الذي نجده في نفوسنا كالذي وجدته عائشة ، وإذا كان الغرض من ذلك التبسط

--> ( 1 ) الجزل : الكثير العظيم من كل شيء . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية : 199 . ( 3 ) رواه البخاري في كتاب : الاعتصام بالكتاب والسنة ، باب : الاقتداء بسنن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( 7286 ) . ( 4 ) شراكهم : أي تقع في المكائد والمصائب التي ينسجونها ويحوكونها لك .